خصومة مع الخالق – قصة قصيرة

كان رشيد شابا في اواخر العشرينات من العمر، يكبرني ببضع سنين. كلانا ترك بلده لاكمال دراسته. أنا قدمت من الأردن وهو من الجزائر. قبل سفره كان يعمل معيدا في احدى الجامعات الحكومية في بلده. خلال فترة عمله مدرسا استطاع ان يدخر مبلغا من المال كاف لاكمال دراسته. كان شخصا ممن يعتمدون على انفسهم، لا يسأل مساعدة من أحد. كان يختلف عن بقية الشباب من جيلنا. كنا أحيانا كثيرة نقضي الساعات في مناقشات جادة وغير جادة، ولكن النقاشات الجادة كانت تغلب حديثنا. كان الحديث معه ممتع شيق. تلمح فيه ذكاء غير موجود ممن هم في جيله. كان نقضه البناء لأبناء بلده العربي المسلم ومقارنته بالمجتمعات الغربية وحتى الشرقية المتحضرة هو ديدنه. يلحظ أدق الأمور والتفاصيل في هذه المجتمعات متمنيا أن تنهج مجتمعاتنا العربية ما هو مفيد منها وتترك ما يناقض ديننا.ـ

ما زلت أذكر عندما أريته صورة – لم أعد أتذكر تفاصيلها– وصلتني بالبريد الألكتروني تشهد على معجزة الله سبحانه وتعالى. قال لي حينها “هذه ليست معجزة”. دهشت من جوابه وتجرئه على هذا القول. ولكنه كان انسانا يؤمن بالعقل والمنطق. ولكن منطقه هذا لم يمنعه بأن يكون شابا متدينا محافظا على صلواته المفروضه.ـ

رغم التزامه كان أول شاب عربي أتعرف عليه يعلن صراحة عدم حبه لوالده. فتقاليدنا العربية لاتسمح لنا بنقد الوالدين. كان والده كأحد هؤلاء الذين يحسبون أن زوجاتهم وأبنائهم ملك لهم. الأب يأمر والجميع يطيع. لا رأي في البيت سوى رأيه وحده. كان صديقي هذا يتسآل ساخرا دائما من مدى حرص مجتمعاتنا العربية على تلقين الأبناء حب وطاعة الوالدين دون الأخذ بعين الاعتبار فيما اذا كانا –الوالدين- يستحقان هذا الحب والطاعة العمياء. لكنه كان في نفس الوقت دائم الحديث عن والدته. قد يكون حبه واشتياقه لها هو السبب في كثرة الحديث عنها، أو قد يكون حزنه لتركه اياها مع والده دون أن يستطيع مساعدتها. كان يقول أحيانا كثيره انه لم يعد هناك أي شيء على الأطلاق يجعله يعود الى بلده سوى والدته.ـ

كحال كل الطلبة المغتربين أفترقنا وانقطع الاتصال بيننا. سألت عنه فقيل لي أنه فقد والدته وهو في الغربه دون أن يراها. تألمت كثيرا لهذا الخبر فوالدته كانت الشيء الجميل الوحيد في حياته الذي كان يتمنى رؤيته. كان يتمنى انهاء دراسته ليبقى بقربها ويعوضها عن سعادة لم تراها مع والده. تألمت أكثر عندما علمت أنه فقد الاتصال بالخالق ولم يعد يصلي. للأسف كانت محنة واختبارا أقوى منه. علمت فيما بعد أنه رجع الى بلده. لا اعلم السبب رغم أنه كان يردد أن السبب الوحيد الذي سوف يجعله يعود الى وطنه هو والدته – قد يكون شعوره بأنه قريب منها في بلده رغم وفاتها سبب في عودته…ـ

لا أعلم حاله الآن، ولكني أرجو أن يكون قد تصالح مع القدير العزيز…ـ

8 thoughts on “خصومة مع الخالق – قصة قصيرة

    1. Ibrahim, thanks for your feedback. I would love to hear more if you have time. What exactly you didn’t like about the ending?

      1. According to what you said, he used to be one of the good guys… The way he started his life, and his way in treating things. Relation with god, balanced speech, loving his mother. However at the end of the post you told us that he stopped praying, I think that the way he used to see things through changed just because his mother died.

        He failed in this exam, but I wish he will be able to fix things again.

  1. Reading your first paragraph brought to mind Tayeb Salih’s writing style of “7afnit tamr” aka “A Handful of Dates.”

    ok, reading this story gave me goosebumps and made me cry. I can’t elaborate, but i do feel sad for Rachid’s loss of both. I will pray for him and his mother…

    1. One of my research papers is cited 240 times, according to google scholar. Nevertheless, comparing my writing style (even for a single paragraph) to Eltayeb Saleh is priceless. I am beyond flattered🙂 .
      “reading this story gave me goosebumps and made me cry” Yes, the story has special meaning to expats.

  2. Maybe you should translate into English? Although I know the translation process might lose the story’s essence, people like me might be able to read it.😛

    1. Jason, I actually tried to translate it. I thought with the help of Google translator I may only need to edit minor changes but I found that the translation was a disaster, it totally changed the story. So, I have to do the translation myself, who knows maybe one day in the [near] future🙂

Comments are closed.