حظا أفضل غدا – قصة قصيرة

ألقى نظرةً من خلال ستار النافذة كنوع من الاطمئنان أو ربما أنه أراد أن يُلقي نظرةً أخيرةً. فتح النافذة وأخرج رأسه ثم إستنشق الهواء بنفسٍ خفيف. أراد أن يستنشق نفساً عميقا ولكنه لم يستطع بسبب برودة الجو. كانت الأرض مغطاة بطبقة بيضاء من الثلوج، أما السماء فكانت وكأنها مضاءة بسبب إنعكاس اللون الأبيض عليها. كانت الساعة الحادية عشر والنصف ليلاً. لم يكن أحد في الخارج. كان الصمت دليلاً على قساوة الجو فلا حيوانات ولا إناس في الخارج عدى أن طبقة الثلوج الكثيفة قد غطت كل شيء على الأرض كان ممكن أن يتحرك بفعل الريح. كان الصوت الوحيد المسموع هو صوت ريحٍ خفيفةٍ .ـ

إستنشق قليلاً من هواء فبراير القارس، وتأمل قليلاً وهو يستمع لصوت الهدوء المصحوب بحفيف ريح خفيفة. برغم برودة الجو كان جبينه عرِقاً. أدخل رأسهُ وأغلق النافذة ثم أسدل الستارة. كان يكره ستائر نوافذه فقد كانت كتلك التي تُستخدم في المكاتب. حاول مراراً أن يستبدل هذه الستائر البلاستيكية بأخرى، كتلك التي يشاهدها في منازل أصدقاءه، ولكن كَسَلهُ كان أقوى مما يحب. أو ربما أنه لم يجد سبباً مقنعاً ليغير هذه الستائر.ـ

جلس وسط الصوفا الوحيده الموجوده في الصالون. ولكنه لم يجلس ليرتاح فقد جلس على طرفها الأمامي موجهاً ظهره للأمام سانداً كوعيه على ركبتيه وواضعاً رأسه بين كفيه. كان ينظر الى طاولة الوسط التي أمامه. بعد ان إستجمع قواه بدأ بالعد:ـ

واحد …ـ

إثنين …ـ

ثلاثه …ـ

أربعه …ـ

خمسه …ـ

سته …ـ

كان  يتمتم العد كلما وضع طلقةً في إسطوانة مسدسه. كانت حركاته بطيئة جدا وكان عده بطيئاً عكس ضربات قلبه التي كانت تضرب بقوة وكأنها أرادت أن توقظه من غفلته. كانت يده ترتجف وهو يضع الطلقات واحدة تلو الأخرى. ولكنه كان قد صمم على تنفيذ ما يدور برأسه.ـ

عندما إنتهى من وضع جميع الطلقات أغلق إسطوانة المسدس ووضعه برفق وعناية شديدتين على الطاولة التي أمامه. كان العرق يتصبب من جبينه وكأنه كان يركض تحت أشعة شمس أغسطس.ـ

بعد أن وضع مسدسه على الطاولة قام ليجفف كفيه وجبينه المبتلين بالعرق. بعد أن قام أّنّبَ نفسه فقيامه قد يكون دليل على التراجع. أحس بجفاف شديد في فمه فذهب الى المطبخ وشرب ماءً بارداً من الثلاجة. وبينما هو يشرب تسآل لماذا لم يشرب من الحنفية هل يفعل هذا ليؤخر عمله علّه يتراجع عن ما هو مقدم عليه. وضع الكأس بسرعةٍ، وكأنه أراد ان لا يضيع الوقت او أن لا يتراجع عن قراره، وأحضر قطعة قماش ليجفف به قبضة المسدس التي كانت مبتلة من عرق يده.ـ

رجع الى الصالون وجلس وأمامه المسدس يحدق به. أمسك المسدس بقبضة قوية جداً وكأن أحداً يحاول أن يسحبه منه. رفعه وصوبه الى الجهة اليمنى من رأسه حتى لمسة فوهة المسدس صدغه الأيمن. ضغط بقوة شديدة على قبضة المسدس ومن ثم ضغط على الزناد. ولكنه لم يستطع أن يحركه. حاول الضغط عدة مرات وفي كل مرة كان يحاول جاهداً بقوة أكبر ولكنه لم يستطع أن يحرك الزناد. إعتقد انه لم يستطع الضغط على الزناد لأن  قوته قد خارت بسبب ما هو مقدم عليه.ـ

وضع المسدس على الطاولة حتى يجفف عرقه مرة أُخرى ويستعيد قوته. حاول مرة أخرى ولكنه لم يستطع الضغط على الزناد أيضاً. بعد عدة محاولات فاشله يئس ووضع المسدس على الطاولة. كان جسده منهكاً، أحس بوهنٍ شديد فأسند ظهره للخلف.ـ

بعد عدة دقائق فتح إسطوانة المسدس وقلبها على الطاولة حتى يخرج الطلقات. كانت الطلقات الستة مبعثرة على الطاولة أمامه. كان يتسآل أي واحدة من هذه الطلقات كانت من الممكن أن تكون داخل رأسه. أخذ يضع كل واحدة من الطلقات في مكانها المخصص في صندوق المسدس. كان الصندوق مصنوع من خشب الماهوغاني كتلك التي تستخدم لتخزين السيجار. أما من الداخل فكان الصندوق مُبطناً بمخملٍ أسود اللون. كان الصندوق مصمماً خصيصاً للمسدس فقد كانت هناك تجاويف خاصه للطلقات وللمسدس. أغلق الصندوق ووضعه في أعلى رف في خزانة ملابسه.ـ

كانت الساعة قد قاربت على منتصف الليل. نظر الى ساعة الحائط وقرر أن يذهب الى النوم حتى يستيقظ باكرا الى عمله في الغد. ذهب الى سريره لينام، وبينما هو مستلقٍ أحس بدمعة تنزل على خده مسحها وإضجع على جانبه الأيمن. أغلق عينيه وقال “ربما يحالفني الحظ غداً”.ـ

حيث أنه منذ أن اشترى المسدس لم يستخدمه كان صمام الأمان ما زال مغلقا للحماية عندما حاول استخدامه هذه المرة. وكان هذا هو السبب في عدم قدرته على الضغط على الزناد. ولكن هل كان يعلم أن صمام الأمان مغلق وكانت هذه مجرد محاولة يائسة منه للقيام بعمل يتمنى أن ينفذه يوما ما؟ أم أن قدرة إلهية أرادت له ان يعيش يوما آخر؟

11 thoughts on “حظا أفضل غدا – قصة قصيرة

    1. شكرا شيشاني
      الفكره كانت ان كل قارئ هو اللي بيحدد نهاية القصه. حتى عندما قال
      ربما يحالفني الحظ غدا
      كانت تعني اكثر من معنى وكل قارئ هو اللي بيحدد ماذا كان يعني بالحظ

  1. “أغلق اسطوانة المسدس و وضعه برفق و عناية شديدتين على الطاولةالتي امامه”

    بالرغم من فشل محاولاته السابقه -و اللاحقه – بتصميم مسبق منه, فأنه ما زال خائف من اي خطأ غير محسوب

    ربما يحالفه الحظ غدا ولا يحتاج الى معاودة الكرّه مره اخرى

    1. نعم ربما يحالفه الحظ ولا يعاود الكرّة. ولكن أي حظ؟ هل هو حظه في انهاء حياته أو حظه كما ذكرت الكيل بمكيالين في حدوث شيء جميل بحياته؟
      لا أحد يعلم :)ـ

      1. اللي قصدته الحظ الجميل, وان الحياة تبتسم له زي ما حكت الكيل بمكيالين
        مش انت بدك احنا نحدد النهايه….اذا الحظ الجميل🙂

  2. “ربما يحالفني الحظ غدا”
    ربما غدا حالفه الحظ بلحظة فرح أو عودة غائب أو لقاء حبيب أو ربما ربح اليانصيب!
    لقد كان تدخلا إلهيا وقد أعطي فرصة ثانية ليصحح مساره!
    غدا سيكون أفضل غدا سيكون سعيدا وسيشتري ستائر قماشية جديدة وسيبقى موجودا لبعض الوقت حتى يستعملها ويشاهدها تبلى، وسيحمل المسدس والطلقات والصندوق وسيرميها من أعلى الجسر ولن يطمئن حتى تبتلعها الأمواج إلى الأبد.

  3. أغلق النافذة ثم أسدل الستارة..
    وضعه برفق وعناية شديدتين على الطاولة..
    أخذ يضع كل واحدة من الطلقات في مكانها المخصص..

    كتير كان مرتب ومهتم بهادا الشيئ.. وهوه أبدا ما كان راح ينتحر عشان الي بكون عم بودع الحياه ما راح يهتم بالتفاصيل والترتيبات هاي وكان أسهلو لو نط من الشباك من بداية القصه..

    عجبتني كتير🙂

    1. شكرا رولا فرحت انه عجبتك القصه
      “وهوه أبدا ما كان راح ينتحر عشان الي بكون عم بودع الحياه ما راح يهتم بالتفاصيل والترتيبات هاي”
      اذا بننظر للأحداث من هذا المنظور فتحليلك قد يكون صحيح
      الواضح انه فترة النقاهه بعد اجازتك طولت شوي زمان ما قرأت شي على مدونتك :)ـ

      1. آه والله فترتي النقاهه أخدت وقتها وهاي حمدلله عم أرجع “آكتف” وعم أقرأ الأشياء إلي راحت علي🙂

Comments are closed.